ورطة الأزهر و الكنيسة بين الدين و السياسة في ضوء الخطاب الديني الجديد و المعاصر [3] ـــ جريدة أسد الشعر العربي جمال الشرقاوي ـــإجتماعية ـــ سياسية ـــ فنية ـــ دينية ـــ شعرية ـــ عامة ـــ

اذهب الى الأسفل

ورطة الأزهر و الكنيسة بين الدين و السياسة في ضوء الخطاب الديني الجديد و المعاصر [3] ـــ جريدة أسد الشعر العربي جمال الشرقاوي ـــإجتماعية ـــ سياسية ـــ فنية ـــ دينية ـــ شعرية ـــ عامة ـــ

مُساهمة من طرف جمال الشرقاوي في الخميس يونيو 21, 2018 1:57 am

ورطة الأزهر و الكنيسة بين الدين و السياسة في ضوء الخطاب الديني الجديد و المعاصر [3]
أسد الشعر العربي ( جمال الشرقاوي )
ورطة الأزهر و الكنيسة بين الدين و السياسة في ضوء الخطاب الديني الجديد و المعاصر [3]
رؤية تحليلية و دراسة فقهية مقارنة بقلم الباحث \ جمال الشرقاوي \
[3]
الفصل الثاني من الجزء الثالث

( تحليل آيات القتال و الجهاد ) باختصار غير مُخل مع مسألة في ( النفاق ) في ثنايا تحليل آيات القتال و الجهاد ثم تكملة تحليل آيات القتال و الجهاد

1 ـــ { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }
[ البقرة ـــ 216 ـــ ]
و المعنىَ المفهوم من هذه الآية القرآنية الكريمة عدم فرضية ـــ القتال ـــ علىَ المسلمين و لكن أقره الله تعالىَ وقت حاجة المسلمين إليه حينما كانوا فئة قليلة في أول حياة الرسول صلىَ الله عليه و سلم و الذين آمنوا معه في المدينة و كانوا ضعافاً و لم تكن لهم شوكة قوية و كانوا يُستهدفون من أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون في المدينة و الأماكن المجاورة و كانوا مستهدفين من قبيلة قريش و تحالفها مع قبائل العرب و اليهود ضد المسلمين و كان الأمر بالقتال وقت الدفاع عن أنفسهم و ليس من أجل الهجوم علىَ غيرهم من الناس المخالفين لهم في الدين و العقيدة و ـــ القتال ـــ لم يكن مكروهاً من المسلمين أو كانوا يخافون مواجهة الأعداء و إنما { كُرْهٌ لَكُمْ } لإن القتال مشقة , و ربما يكون فيه الخير حينما يصدون الإعتداءات الواقعة عليهم و يثبتوا وجودهم كقوة ناشئة و دين جديد مثل أي أمة من الأمم حينما تفرح بصد المغير عليها , و في المقابل { وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } أي : ربما تحبون القتال و الهجوم علىَ غيركم و يكون في قتالكم للغير شراً لكم , و الخلاصة أن القتال كان للدفاع و كلمة { كُتِبَ } ليست للفرضية ـــ الفرض ـــ أو للوجوب أو للتأكيد و إنما هو للضرورة حينما تصدون أي : غازي معتدي عليكم أيها المسلمون , و هنا السؤال , أليس القتال ضرورة عند أي أمة من الأمم قديمة أو حديثة حينما يعتدي عليها أي جيش من أمة أخرىَ ؟! و الجواب هو , بالقطع القتال يكون ضرورياً و واجباً و مؤكداً عند أي أمة من الأمم عندما تتعرض لأدنىَ اعتداء من أي أمة أخرىَ , هنا النص القرآني واضح صريح لِمَن يريد أن يرىَ الحقيقة ... و [ { كتب عَلَيْكُم الْقِتَال } أَي : فرض عَلَيْكُم { وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } قَالَ الْكَلْبِيّ : ] كَانَ هَذَا حِين كَانَ الْجِهَاد فَرِيضَة { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تعلمُونَ } قَالَ الْكَلْبِيّ : علم أَنه سَيكون فيهم من يُقَاتل فِي سَبِيل اللَّه ، فيستشهد قَالَ مُحَمَّد : { كُرْهٌ لكم } مَعْنَاهُ : مشقة لكم ، لَا أَن الْمُؤمنِينَ يكْرهُونَ فرض , وَيُقَال : كرهت الشَّيْء كَرها وكُرها وَكَرَاهَة. وَالْقِرَاءَة : ((كره)) بِالضَّمِّ؛ وتأويله : ذُو كره لكم ]
( المصدر : كتاب : تفسير البغوي ـــ تفسير سورة البقرة ـــ الآية : 216 ــــ صفحة : 34 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و نفهم من هذه الآية القرآنية الكريمة لم يكن ـــ القتال ـــ من أجل ـــ القتال ـــ و إنما كان ضرورة وقت الدفاع عن النفس فقط و لم تكن الأمة الإسلامية بهذا التشريع بدعاً من الأمم و التشريعات , و ليس كما تقول التنظيمات الإرهابية و خوارج العصر و كلاب أهل النار التي أخذت مناهجها من كتب الأزهر بسبب تقصير الأزهر في دوره في تعديل و تهذيب و إصلاح المناهج المتطرفة ... فهم يزعمون أن ـــ الجهاد ـــ فريضة لأبد الدهر أو إلىَ قيام الساعة و هو زعمٌ باطلٌ غير صحيح , لإن ــ الجهاد ـــ كان مفروضاً في بداية تكوين الدولة الإسلامية في المدينة و كان المسلمون ضعافاً مضطهدين من هنا و من هناك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2 ـــ { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }

[ البقرة ـــ 246 ]
و هذه الآية القرآنية الكريمة هيَ مِمَّا أخبرنا به الله عز و جل عن أمة من الأمم السابقة و هيَ ـــ بني إسرائيل ـــ و ذُكر فيها لفظ أو فعل القتال خمسُ مرات و ليست في حق المسلمين من أمة محمد صلىَ الله عليه و سلم ... و إليكم تفسير الأية القرآنية الكريمة
[ إن الحق سبحانه يبلغنا بوسيلة السماع عنه ، وعلينا أن نتلقى ذلك الأمر كأننا نراه بالعين ، فماذا نرى ؟ { أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ } ، ما معنى الملأ ؟ هي من ملأ يعني ازدحم الإناء ، ولم يعد فيه مكان يتحمل زائداً . وأن الظرف قد شُغل بالمظروف شغلا لم يعد يتسع لسواه . وكلمة « ملأ » تُطلق على أشراف القوم كأنهم هم الذين يملأون حياة الوجود حولهم ولا يستطيع غيرهم أن يزاحمهم. و { الملإ } من أشراف الوجوه والقوم يجلسون للتشاور . { أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ موسى } أي ألم يأتك خبر وجوه القوم وأشرافهم من بعد موسى عليه السلام مثلا في عصر « يوشع » أو « حزقيل أو شمويل » أو أي واحد منهم ، ولا يعنينا ذلك لأن القرآن لا يذكر في أي عهد كانوا ، المهم أنهم كانوا بعد موسى عليه السلام . { إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله } .
لقد اجتمع أشراف بني إسرائيل للتشاور ثم ذهبوا إلى النبي الذي كان معاصراً لهم وقالوا له : ابعث لنا ملكا . ونفهم من ذلك أنه لم يكن لهم ملك . وماذا نستفيد من ذكر وجود نبي لهم وعدم وجود ملك لهم ؟
نفهم من ذلك أن النبوة كانت تشرف على نفاذ الأعمال ولا تباشر الأعمال ، وأما الملك فهو الذي يباشر الأعمال . ولو كانت النبوة تباشر أعمالاً لما طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكا . وسبب ذلك أن الذي يباشر عرضه للكراهية من كثير من الناس وعرضه أن يفشل في تصريف بعض الأمور، فبدلا من أن يوجهوا الفشل للقمة العليا، ينقلون ذلك لمن هو أقل وهو الملك. ولذلك طلبوا من النبي أن يأتي بملك يعيد تصريف الأمور فتكون النبوة مرجعاً للحق ، ولا تكون موطناً للوم في أي شيء . التعبير ب { كُتِبَ } ولم يأت ب « كَتبَ » ، ومع ذلك تولوا أي أعرضوا عن القتال .
لقد كان لنبيهم حق في أن يتشكك في قدرتهم على القتال ، ويقول لهم : { هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تُقَاتِلُواْ } . ولكن هل أعرضوا جميعا عن القتال ؟ لا , فقد كان فيهم من ينطبق عليه قول الشاعر :
إن الذي جعل الحقيقة علقماً ... لم يخل من أهل الحقيقة جيلاً
لقد كان منهم من لم يعرض عن التكليف بالقتال لكنهم قلة ، وهذا تمهيد مطلوب ، حتى إذا انحسرت الجمهرة ، وانفض الجميع من حولك إياك أن تقول : « إني قليل » , لأن المقاييس ليست بكثرة الجمع ، ولكن بنصرة الحق سبحانه وتعالى .
وقد يكون عدوك كثيراً لكن ليس له رصيد من ألوهية عالية ، وقد تكون في قلة من العدد ، لكن لك رصيد من ألوهية عالية ، وهذا ما يريد الحق أن يلفتنا إليه بقوله : { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً } . كلمة { إِلاَّ قَلِيلاً } جاءت لتخدم قضية ، لذلك جاء في آخر القصة قوله تعالى : { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله } [ البقرة : 249 ]
أي أن الغلبة تأتي بإذن الله ، إذن فالشيء المرئي واحد ، لكن وجهة نظر الرائين فيه تختلف على قدر رصيدهم الإيماني . أنت ترى زهرة جميلة ، والرؤية قدر مشترك عند الجميع ، ورآها غيرك ، أعجبتك أنت وحافظت عليها و تركتها زينة لك ولغيرك ، بينما رآها إنسان آخر فقطفها ولم يبال مِلْكُ من هي ، وهكذا تعرف أن العمل النزوعي يختلف من شخص لآخر ، فالعدو قد يكون كثيراً أمامنا ونحن قلة ، وكلنا رأى العدو كثيراً ورأى نفسه قليلاً ، لكن المواجيد تختلف . أنا سأحسب نفسي ومعي ربي ، وغيري رآهم كثيرين وقال : لا نقدر عليهم ؛ لأنه أخرج ربه من الحساب { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ والله عَلِيمٌ بالظالمين } إذن فالتولي ظلم للنفس ؛ لأن الظلم في أبسط معانيه أن تنقل الحق لغير صاحبه ، وأنت أخرجت من ديارك وظللت على هذا الحال ، إذن فقد ظلمت نفسك ، وظلمت أولادك الذين خرجوا منك ، وفوق ذلك كله ظلمت قضيتك الدينية .
إذن فالجماعة الذين تولوا كانوا ظالمين لأنفسهم ولأهليهم ولمجتمعهم وللقضية العقدية . وقوله الحق : { والله عَلِيمٌ بالظالمين } هو إشارة على أن الله مطلع على هؤلاء الذين تخاذلوا سراً ، وأرادوا أن يقتلوا الروح المعنوية للناس وهم الذين يطلق عليهم في هذا العصر « الطابور الخامس » الذين يفتتون الروح المعنوية دون أن يراهم أحد ولكن الله يعرفهم .
لقد طلب هؤلاء القوم من بني إسرائيل من نبيهم أن يبعث لهم ملكا ، وكان يكفي النبي المرسل إليهم أن يختار لهم الملك ليقاتلوا تحت رايته ، لكنهم يزيدون في التلكؤ واللجاجة ويريدون أن ينقلوا الأمر نقلة ليست من قضايا الدين ]
[ المصدر : كتاب : تفسير الشعراوي ـــ سورة : البقرة ــــ الآية : 246 ـــ الصفحة : 40 ]
و هذه هىَ الآية القرآنية الكريمة الوحيدة في القرآن الكريم الذي ذُكر ـــ فعل ـــ ( القتال ) و مشتقاته خمس مَرَّات 2 ـــ و نذكرها علىَ التوالي كما وَرَدَت في الآية الكريمة { نُقَاتِلْ } { الْقِتَالُ } { تُقَاتِلُوا } { نُقَاتِلْ } { الْقِتَالُ و الذين نزلت فيهم هذه الآية { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } هم منافقين اليهود ... و الله تبارك و تعالىَ أعلىَ و أعلم

3 ـــ { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) }
[ النساء ـــ 74 ـــ 75 ـــ 76 ـــ 77 ـــ ]
و هذا ليس أمر بالقتال و إنما هو استدراك في الحديث عن القتال في سبيل الله تعالىَ حينما يتطلب الأمر أو الواقع الدفاع عن النفس و الإستدراك هو أنه يُكمل كلاماً كان قد بدأ و لننظر للأيتين القرآنيتين الكريمتين رقم (72) و ( 73 ) اللتان سبقتا الآيات القرآنية الكريمة التي نحن بصدد تفسيرها الآن {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) }
[ النساء ـــ 72 ـــ 73 ]
و الإستدراك أتىَ بعد أن أوضح الله تعالىَ ملمح قوي من شخصية المنافقين فاستدرك و قال للمؤمنين { فَلْيُقَاتِلْ } من أجل الدفاع عن الحق و صد العدوان مَن لا تهمه الدنيا و ينظر للآخرة سواء قـُتِل أو انتصر فذلك له أجراً كبيراً , و { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ } و الخطاب لضعفاء المسلمين الذين لم يستطيعوا الهجرة و كان كفار قريش يعذبونهم و يُنكِّـلُون بهم فجاءهم التساؤل الإلهي { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي : دفاعاً عن أنفسكم ؟! لأنهم كانوا يستنصرون الله تعالىَ بدعائهم { الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } و القرية هىَ ـــ مكة ـــ و أهلها الظالمين هم ـــ كفار قريش ـــ و هذا طبيعياً جداً أن يدافع المظلوم عن نفسه ضد ظالمه و المظلوم هو مَن يقاتل في سبيل الله و الظالمين هم مَن يقاتل من أجل الشيطان { الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ } و طبيعياً أن يأتي الأمر بالقتال دفاعاً عن النفس و ليس اعتداءً علىَ أحد { فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } و لكن الأمر الإلهي بالقتال لم يأتِ في البداية و لكن حينما كان المسلمون المستضعفون في مكة كانوا يريدون قتال جلاديهم من الكفار جاءهم الأمر الإلهي الصادم بدلاً من القتال { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } جاءهم الأمر الإلهي بعدم القتال و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة بدلاً من القتال و كانوا في مكة يومئذٍ قبل الهجرة النبوية { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ } و لمَّا جاءهم الأمر الإلهي بالقتال بعد هجرتهم للمدينة في هذا الوقت { إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } و هؤلاء هم المنافقون في المدينة لإن هذه الأية مدنية نزلت في المدينة و الأمر في مكة كان بالتزام العبادة و العقيدة لتأصيل الدين و تثبيت عقائده و جذوره و التدريب العملي علىَ ممارسة شعائره و الإلتزام العملي في طاعة الله تعالىَ و رسوله صلىَ الله عليه و سلم و لكن الأمر بالقتال كان في المدينة بعد الهجرة و علىَ الأرجح أن المنافقين هم عبد الله بن أبيِّ بن أبي سلول زعيم المنافقين و أصدقائه المنافقين في المدينة و للأسف كان مسلماً و يبطن النفاق و الكره للإسلام و المسلمين و لرسول الله صلىَ الله عليه و سلم , و جاءهم الرد الإلهي علىَ نفاقهم و تقاعسهم عن القتال { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا } أن متعة الدنيا قليلة و أن الجنة في الآخرة هىَ دار الخلد و لن يُظلم أحداً شيئاً و لو مثقال الذرة .... و الله تبارك و تعالىَ أعلىَ و أعلم
4 ـــ { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ }
[ الأنفال ـــ 65 ـــ ]
أردتُ أن أورد لكم ما جاء في تفاسير مفسرينا القدماء ثم أكتب ما فهمته من هذه الآية القرآنية في ضوء الخطاب الديني الجديد و المعاصر و بالله تعالىَ التوفيق
[ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِحَثِّ المُؤْمِنِينَ ، وَتَحْرِيضِهِمْ عَلَى القِتَالِ ، لِدَفْعِ عُدْوانِ الكَافِرِينَ عَلَى الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ ، وَلإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ وَالحَقِّ وَالعَدْلِ وَأَهْلِهَا ، عَلَى كَلِمَةِ البَاطِلِ وَالظُّلْمِ وَأَنْصَارِهِمَا . وَيُخْبِرُ اللهُ نَبِيَّهُ وَالمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عِشْرُونَ مُعْتَصِمُونَ بِالإِيمَانِ وَالصَّبْرِ وَالطَّاعَةِ ، فَإِنَّهُمْ يَغْلِبُونَ مِئَتَيْنِ ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الكُفَّارِ ، لأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ مَا تَفْقَهُونَهُ أَنْتُمْ مِنْ حِكْمَةِ الحَرْبِ ، وَمَا يُرَادُ بِهَا مِنْ مَرْضَاةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلاَ يَنْتَظِرُونَ هُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ أَنْتُمْ مِنَ الحَرْبِ : نَصْراً مِنَ اللهِ أَوْ فَوْزاً بِالشَّهَادَةِ وَرِضْوَانِ اللهِ .
وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ ، فَخَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ .
حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ - بَالِغْ فِي حَثِّهِمْ ]
( المصدر : كتاب : تفسير حومد ـــ سورة : الأنفال ـــ الآية : 65 ــــ الصفحة : 185 )
و الآن نأتي لِمَا فهمته أنا و انطباعي عن هذه الآية و ربما كل الآيات التي ستأتي بعد ذلك في ضوء الخطاب الديني الجديد و المعاصر
(( إن أسلافنا المفسرين و الفقهاء و العلماء القدامىَ كانوا يعلمون تمام العلم و المعرفة أن مثل هذه الآيات القرآنية الكريمة لا يمثل فيها الأمر الإلهي بالقتال أي اعتداء علىَ أحد و إنما كان الغرض من الأمر الإلهي فيها بالقتال بغرض الدفاع عن النفس و الحقيقة تستوقفني بداية الآية القرآنية الكريمة { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ } و أعلم أن الحانقين علىَ الإسلام و المنافقين و الجاهلين و العملاء و الطوابير الخامسة و المستشرقين و المأجورين و غيرهم من الصغار سيأخذون مثل هذه الآية القرآنية الكريمة هدفاً و غرضاً لتشويه الإسلام ووصمه بالإسلام الإرهابي الذي يحرِّض علىَ العنف و القتل و سيفعلون ذلك من أجل تنفير الناس من الإسلام و أهله و إلهه رب العزة تبارك و تعالىَ و نبيِّ الإسلام و رسوله محمد صلىَ الله صلىَ الله عليه و سلم و أعلم أنهم سيقفون طويلاً عند نفس الجملة من النص القرآني الكريم التي استوقفتني كرجل مسلم ( علىَ باب الله ) و هىَ { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ } و الحقيقة بأبسط تعبير دون اللجوء للتقعر اللغوي أن هذا التحريض في الظاهر هو ألفاظ فقط و لكن المقصود من الكلمة { حَرِّضِ } أي : حَمِّس , أو يا أيها النبي ـــ محمد صلىَ الله عليه و سلم ـــ إشحذ همَّة انصارَك من المسلمين ضد أعدائهم في حال دفاعكم عن أنفسكم و مَن يرجع للسيرة النبوية سيجد أن اليهود و النصارىَ و كفار قريش بل و القبائل المجاورة للمسلمين الذين كانت لهم أحلاف من اليهود و النصارىَ و كفار قريش كانوا يضيِّقون علىَ المسلمين و كانوا لا يشترون منهم و لا يبيعون لهم و هذا كان يحدث منذ أيام ( شعب أبي طالب في مكة ) و حتىَ بعد هجرة الرسول صلىَ الله عليه و سلم للمدينة واجهته في البداية الأحلاف التي كانت تربط بين كفار قريش و بين القبائل العربية فهنا نستطيع أن نقول أن الرسول صلىَ الله عليه و سلم و الذين معه كانوا محاصرين ببحر من الأعداء , فهل هنا يشحذ همم رجاله و يشجعهم لصد الإعتداءات أم يثبِّط همتهم ؟! و هنا نفهم معنىَ كلمة { حَرِّضِ } بمعنىَ حَمِّس المسلمين عند اللقاء و ذلك لتكرار الإعتداءات علىَ المسلمين وقتها و تعرضهم لجميع أنواع الفتن و الابتلاآت , و الدليل من الآية القرآنية الكريمة نفسها { إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ } و الدليل علىَ أن المقصود من التحريض في الآية القرآنية الكريمة هو التحميس و التشجيع هو إن الله تعالىَ يقول لهم في الآية القرآنية الكريمة { { إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } و { وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } و هو إسلوب لنزع الرهبة و الخوف من قلوب المسلمين الأوائل لأنهم كانوا قلة مستضعفين و مُحاطين ببحر من الأعداء { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ } و المقصود بهذه الجملة من النص القرآني أن الكفار لا يفهمون أن الله تعالىَ خالق الكون القادر القاهر الجبار هو الذي يحمي و ينصر هذه الفئة المستضعفة رغم قلة عددهم و عتادهم بل و من العجيب في الأمر أن الله تعالىَ ظل ينصر المسلمين في حروبهم مع الروم و فارس رغم قوة جيوش الروم و فارس و كثرة عددهم و عتادهم و كثرة مؤونتهم و كان دائماً علىَ الجانب المقابل المسلمين في ضعف العدد و العتاد و قلة الرجال بالنسبة لجيوش الفرس و الروم , و الذي يؤيد هذا الرأي العقلاني و المنطقي و يستند علىَ العقل و النقل هذه الآية القرآنية الكريمة و التي كما قلنا ظل هذا الدأب من الله تعالىَ مع المسلمين حتىَ الآن { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ }
[ الأنفال ـــ 44 ـــ ]
و هنا نفهم أن ـــ التحريض ـــ هو تحميس و تشجيع للمسلمين لأنهم كما قلنا كانوا دائماً قليلي العدد و العُدة و التجهيز و المؤن فكان التحميس لابد لهؤلاء كي يواصلوا الرحلة و الدفاع عن أنفسهم ضد أعدائهم و الدفاع عن دينهم ضد الذين كانوا يريدون أن يكسروا شوكة هذا الدين الجديد بل و هذا بعينه ما يحدث الأن في عصرنا المعاصر و سوف ينتصر المسلمون علىَ أعدائهم لأن هذه هىَ سُنـَّة الله تعالىَ مع الإسلام و الله تعالىَ إذ التقىَ المسلمون و أعدائهم { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ } و كما قلنا هذه سُنـَّـة جعلها الله تعالىَ للمسلمين , و السبب { لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ } و هو نصرة الإسلام رغم أنف الحاقدين و المجرمين و الكفار و العملاء و المنافقين و الكارهين , و هو الأمر الذي أخبر به الله تبارك و تعالىَ من ألف و خمسمائة عام { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }
[ الصف ـــ 8 ـــ ]
و الله تبارك و تعالىَ أعلىَ و أعلم
5 ـــ { وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا }
[ الأحزاب ـــ 25 ـــ ]
[ « وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ » وحنقهم وقبض صدورهم وضيق ذرعهم وانكماش وجوههم واكفهرار ألوانهم « لَمْ يَنالُوا خَيْراً » نصرا ولا ظفرا ولا غنيمة من المؤمنين البتة بل نكسوا على رؤوسهم وردوا على أعقابهم مدحورين « وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ » بتسليط الريح العظيمة التي لم تقاوم لأنها من غضب الله أعاذنا الله منه والجنود التي أرسلها الله على الأحزاب الغير مرئية لا نعلمها نحن ، وإنما يعلمها الذي أرسلها وهربوا غاضبين بعضهم على بعض لما وقع بينهم من الخلاف وسوء الظن الآتي ذكره في القصة « وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا » لا يقاوم « عَزِيزاً » لا يغلب ولهذا شتتهم وطردهم دون قتال . ]
( المصدر : كتاب : بيان المعاني ـــ تفسير سورة : الأحزاب ـــ الآية : 25 ـــ الصفحة : 421 )
و كما قلنا سابقاً أن أيات القتال كلها نزلت بشأن دفاع المسلمين عن أنفسهم شاء مَن شاء و أبىَ مَن أبىَ و لكنها الحقيقة فنحن كمسلمين لن نذهب للناس لنضع الحقيقة في أذهانهم غصباً عنهم !! و لكنها الحقيقة أيها السادة , و إليكم الدليل
(( كانت غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق قي شهر شوال من العام الخامس للهجرة و كان المسلمون بقيادة النبي صلىَ الله عليه و سلم في جانب , و علىَ الجانب الآخر القبائل العربية التي حالفت كفار مكة و جاءت لتعين قبيلة من اليهود إسمها بني النضير لأنهم قد نقضوا عهدهم مع الرسول صلىَ الله عليه و سلم بل و حاولوا قتله فحاصرهم بجيشه حتىَ استسلموا و خرجوا من ديارهم و حصونهم و بعد ذلك بدأوا يأخذون بالثأر من المسلمين فأخذوا يحرِّضون القبائل العربية ضد النبي صلىَ الله عليه و سلم و المسلمون الذين آمنوا معه و بالفعل أغروا القبائل العربية بغزو المدينة فاستجاب لهم من القبائل العربية قبيلة قريش و حلفائها ـــ الأحابيش ـــ و قبيلة غطفان و بني فزارة و مُرَّة و أشجع و حلفائها بنو أسد و سليم و غيرها و سُمَّوا بالأحزاب و كان قوامهم عشرة ألاف رجل و كان المسلمون قوامهم ثلاثة آلاف مسلماً , و تصدَّىَ المسلمون لهذه الجحافل الجرارة و انتصروا بفضل الله تعالىَ بثلاثة أشياء بحفر الخندق و هو خدعة حربية لم تكن معروفة في بلاد العرب و لكنها كانت في بلاد فارس و أشار بها سيدنا سلمان الفارسي رضيَ الله عنه و أرضاه , و بالريح التي أرسلها الله عز و جل علىَ الكفار و المشركين , و بالملائكة التي أنزلهم الله عز و جل لنصرة الرسول صلىَ الله عليه و سلم و المسلمين و هم جند من جنود الله تعالىَ , و مَن ينظر لهذه الغزوة سيجد أن اليهود ـــ قبيلة بني النضير ـــ اليهودية نقضوا عهدهم مع الرسول صلىَ الله عليه و سلم بل و أرادوا قتله و الأعجب من ذلك أنهم كانوا بينهم و بين الرسول صلىَ الله عليه و سلم عهداً !!! و لمَّا أدَّبَهُم غدروا به و جمعوا له الأحزاب و القبائل ليقاتلوه و هم الذين أخطأوا منذ البداية , و هذه مناسبة نزول الأية القرآنية الكريمة { وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا } )) ... و الله تبارك و تعالىَ أعلىَ و أعلم
6 ـــ { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ }
و هنا نجد أن كلمة { الْقِتَالُ } لا تدل علىَ الحرب أو الهجوم علىَ العدو بل و لا تدل علىَ صد الهجوم من العدو أو حتىَ دفع العدو , و إنما فعل { الْقِتَالُ } في هذا الموضع هو علىَ سبيل إستدراك الكلام أي تكملته و استدراك أي تكملة معانيه الضمنية اللازمة له لأننا نجد في أول الآية القرآنية الكريمة حرف العطف و الإستدراك { وَ } و وجود هذا الحرف في أول الكلام يدل علىَ أنه كان هناك كلاماً محذوفاً , و هنا كي ندرك الكلام المحذوف في أول الآية القرآنية الكريمة التي ابتدأت بحرف { وَ } { وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ } [ محمد ـــ 20 ] لابد للرجوع للوراء لنستحضر الآية القرآنية الكريمة التي قبلها { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } [ محمد ـــ 19 ـــ ] و في هذه الآية نجد أن المولىَ عز و جل يوجه الخطاب فيها كاملاً للرسول النبي سيدنا محمد صلىَ الله عليه و سلم بلا مُبتدأ و لا مُنتهىَ , فيقول له { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } أي فاعلم يا محمد ـــ صلىَ الله عليه و سلم ـــ أنه لا إله إلَّا أنا ـــ ألله تعالىَ ـــ ثم ماذا ؟! ثم أمَرَ الله سبحانه و تعالىَ سيدنا محمد صلىَ الله عليه و سلم , بماذا أمَرَهُ ؟ { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } أمَرَهُ بالإستغفار لنفسه و الإستغفار للمؤمنين و المؤمنات , ثم ماذا ؟ ثم أكَّدَ الله سبحانه و تعالىَ أنه هو الذي يعلم خفايا القلوب و السرائر و الضمائر و تغيُّر أحوال الناس و يعلم الصادق من الكاذب و المؤمن من المنافق و هكذا فقال جل في عُلاه في تذييل أو نهاية الآية الكريمة { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } و هذه الجملة من هذه الآية الكريمة هيَ التي تعنيني لتفسير الآية (20 ) التي بعدها من ( سورة محمد ) نستعيد الآية الكريمة مَرَّة أخرىَ ليستحضرها القاريء ماثلة أمامه { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ } [ محمد ـــ 20 ـــ ] و هنا في هذه الآية القرآنية الكريمة فهمنا معنىَ حرف الإستدراك التي بدأت به الآية { وَ } و أهميته ظهرت في أن هذا الحرف يستدرك الآية رقم ( 19 ) ليربطها بالآية رقم ( 20 ) و كذلك هو حرف عطف يربط ما قبل الكلام بما بعده أي يربط الآية رقم ( 19 ) بالآية رقم ( 20 ) في الكلام و المعنىَ و السياق اللغوي و البياني ليكون واضحاً , فقد قال المؤمنين الصادقين الذين يعشقون القرآن الكريم و يستأنسون به و يتعبون نفسياً لو تأخر الوحي عليهم بآيات جديدة من القرآن الكريم { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا } ماذا قال المؤمنون ؟ قالوا { لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ } هم يتمنون نزول الوحي بسورة جديدة من القرآن الكريم يعرفون منها أمور دينهم و دنياهم و آخرتهم و يتقوَّىَ إيمانهم أكثر و أكثر , و لكن إذا نزلت سورة جديدة نجد العكس من بعض المسلمين { فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } و هنا بداية يجب أن نفهم بالبديهة أنهم كانوا فريقين من المسلمين , فريقاً مؤمناً عنده الإستعداد للتضحية في سبيل الله تعالىَ بنفسه و ماله و هم فريق المسلمين الذين اكتسبوا صفة المؤمنين ( الإيمان ) و فريق المسلمين الذين اكتسبوا صفة المنافقين ( النفاق ) لأن المؤمنين يفرحون بنزول الوحي بسورة جديدة و لو جاء الأمر بالقتال تجدهم يتنافسون لنيل رضاء الله تعالىَ و طاعة رسوله صلىَ الله عليه و سلم بتنفيذ أوامرهما , و لكن المنافقين ليسوا كذلك و خاصة لو نزلت سورة { مُحْكَمَةٌ } أي : لا يوجد في مبناها اللغوي أو معناها الضمني ناسخ أو منسوخ و تتكلم عن الأمر بالقتال { فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ } ماذا يحدُث للمنافقين ؟! { رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } تأخذهم الدهشة و الخوف و المهانة و الذل و الجبن من الأمر بالقتال أو حتىَ وجود كلمة { الْقِتَالُ } و لو علىَ سبيل تكملة الكلام كما في هذا الموضع فليس المقصود من { الْقِتَالُ } هنا هو الأمر به لا , هذا ليس المقصود , و لا مقصودٌ به الهجوم أو الدفاع لا هذا ليس هو المقصود أيضاً , و إنما كلمة أو فعل { الْقِتَالُ } هنا هو لإختبار المؤمن من المنافق , و بالطبع فالمؤمن ممتثل لأمر ربه عز و جل و لكن المنافق حانق و غاضب و لا يريد التعب و النصب و الجهد و المشقة , و هنا نجد الوعيد من الله تبارك و تعالىَ للمنافقين { فَأَوْلَى لَهُمْ } أي : فالويل لهم بسبب نفاقهم و هنا نفهم أهمية حرف العطف و الإستدراك { وَ } في أول الآية رقم ( 20 ) من ( سورة محمد ) لأن المسلمين كلهم تمنوا نزول الوحي بسورة و لمَّا نزلت لم يرضىَ فريق من المسلمين بهذه السورة و بذكر { الْقِتَالُ } فيها و ربط الآية ( 19 ) من ( سورة محمد ) بالآية ( 20 ) من نفس السورة أنه وَرَدَ في نهاية الآية رقم ( 19 ) { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } أي : يعلم المسلم المؤمن من المسلم المنافق و يعلم مَن سيرضىَ و مَن لا يرضىَ و يعلم مَن سيمتثل لتنفيذ الأمر و مَن لا يمتثل للتنفيذ و لذلك فذكر كلمة أو فعل { الْقِتَالُ } هو مجرد كلمة أو ميزان في الآية القرآنية الكريمة يحصلُ بها التفرقة بين المسلم المؤمن الذي لا يخاف و سينفذ أوامر و طاعات الله تعالىَ و المسلم المنافق المُتردد الذي سيتراجع و لن يُنفذ أوامر و طاعات الله تعالىَ و هذا ما حدث بالفعل ... و الله تبارك و تعالىَ أعلىَ و أعلم

7 ـــ { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ }
[ آل عمران ـــ 167 ـــ ]
من أسباب نزول هذه الآية القرآنية الكريمة هو موقف ـــ المنافقين ـــ يوم غزوة أُحُد , و قد نزلت هذه الآية في المنافقين و كبيرهم عبد الله ابن أُبَيِّ بن سلول في المدينة , و قد وقعت هذه الغزوة في يوم السبت , السابع من شهر شوَّال و قيل في الخامس عشر من شوَّال في العام الثالث للهجرة , و معنىَ كلمة ــ غزوة ـــ أي : الحرب المباشرة و المعركة و القتال بين فريقين متناقضين في التفكير و إسلوب الحياه وجهاً لوجه , و قبل أن تبدأ الحرب تخاذل عبد الله بن أُبَيِّ و أصحابه المنافقين عن القتال و الحرب و خذلوا الله تعالىَ و رسوله صلىَ الله عليه و سلم و المؤمنين , و كان عدد جيش الكفار من قريش و تهامة و كنانة ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة أبو سفيان ابن حرب و عدد جيش المسلمين ألف مقاتل بقيادة النبي محمد صلىَ الله عليه و سلم و قيل إن عدد جيش المسلمين في غزوة أُحُد سبعمائة مقاتل و لكن الصحيح هو ألف مقاتل و سنقول السبب في أثناء شرحنا و تفسيرنا للأية القرآنية الكريمة , و حدثت هذه الغزوة بين كفار مكة و بين المسلمين لإن أبي سفيان بن حرب زعيم مكة وقتها كان يُحَرِّضُ أهل مكة الذين لم يكونوا قد أسلموا بعد علىَ قتال المسلمين بعد أن هزموهم المسلمين في غزوة بدر فكبدوهم خسائر فادحة و قتلوا منهم الكثير و لحق بكفار مكة الكثير من الضرر في المال و التجارة و من المعلوم أن اقتصاد مكة كلها قائم علىَ التجارة و خاصة رحلتي الشتاء و الصيف فعندما انتصر المسلمون علىَ كفار مكة في غزوة بدر شَكَّلَ المسلمون تهديداً عظيماً للطريق التجاري لقبيلة قريش للشام و الحجاز و من هنا أرادات مكة متمثلة في قبيلة قريش أن تكسر شوكة المسلمين الذين يهددون نفوذها التجاري و الإقتصادي و من هنا أخذ أبو سفيان بن حرب زعيم مكة يُحَرِّضُ أهل مكة علىَ الأخذ بالثأر من المسلمين , و هنا نرجع لتأكيدنا أن ـــ القتال ـــ بالنسبة للمسلمين في مثل هذه الحالات هو بغرض الدفاع عن النفس فقط لا غير و قد اضطُروا إليه اضطراراً و لو لم يقاتل الكفار الفئة المسلمة و لو لم يدفعوهم للقتال دفعاً و تحَرَّشوا بهم ما قاتلت الفئة المسلمة إطلاقاً و ما خرجت للقاء أي مخلوق كان , فقال لهم الله تعالىَ مؤكداً نفاقهم { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا } و هو إسلوب تأكيد مُوَجَّه صراحة في وجوه المنافقين , { وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا } و قد قال لهم عمرو بن الجموح رضيَ الله عنه { تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي : حاربوا معنا العدو أو { ادْفَعُوا } أي : اجعلونا بوجودكم معنا كثرة في أعْيُن العدو فيحدث له الرعب من كثرتنا , فماذا كان رَدُّ المنافقون { قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ } أي : لو أننا نعلم أنها حرباً حقيقة و مواجهة صريحة مباشرة لخرجنا معكم !!! فقال عنهم رب العزة سبحانه و تعالىَ { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ } قال بعض المفسرين هم في هذا الموقف كانوا أقرب أي كانوا أصدقاءً و حلفاءً لأهل الكفر من صداقتهم و مؤازرتهم لأهل الإيمان , و لكني ـــ أقول ـــ أن الآية القرآنية أصرح و أوضح من أي تفسير بل لا تحتاج التفسير فقد وصفهم المولىَ عز و جل بأنهم كفاراً أكثر منهم مسلمين و قد ظهر ذلك بوضوح في تصرفاتهم و هروبهم من المعركة و خذلانهم لله تعالىَ و لرسوله صلىَ الله عليه و سلم , بل و في حديثهم بكل وقاحة علىَ المسلمين الذين قالوا لهم تعالوا دافعوا أو ادفعوا { يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } و لا عَجَبَ في هذا فهذه هىَ أهم صفة في معرفة المنافق أنه يقول ما ليس في قلبه , { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } أي : و الله سبحانه و تعالىَ هو الوحيد الذي يعلمُ ما نفوس المخلوقات دون أن يتكلموا به و هو علم السرائر و الضمائر فقد كان المافقون يظهرون الإيمان و الإسلام و يبطنون الكفر و كانوا يُعادون المسلمون سراً و يوالون الكفار سراً , و من ضمن أحداث غزوة ـــ أُحُد ـــ في بداية الأمر و عند أول استعدادات للمعركة أمَرَ الرسول صلىَ الله عليه و سلم المسلمون أن يظلوا في داخل المدينة حتىَ إذا أقامت قريش و كنانة و تهامة معسكراً خارج المدينة أو حاصرت المدينة كان ذلك كله بلا فائدة و إذا أرادت قريش دخول الدينة دافع المسلمون عند مداخل المدينة و دافعن النساء من علىَ أسطُح المنازل و هنا وافق زعيم المنافقين عبد الله بن أُبَيِّ بن سلول علىَ هذا الرأي و السبب في موافقته ليس حُسن إسلامه أو زيادة إيمانه و لكن السبب الحقيقي و الرئيسي لموافقته علىَ رأي رسول الله صلىَ الله عليه و سلم هو كرهه للإسلام و كيده للمسلمين و خذلانه لله تعالىَ و رسوله صلىَ الله عليه و سلم , و تتمثل في أنه إذا أراد الهرب و الإنسحاب من المعركة فيهرب و ينسحب دون أن يشعر به أحد , و لكن حَدَث ما لم يكن في الحُسبان فعندما شاور الرسول صلىَ الله عليه و سلم أصحابه في خطته الذي قالها فكان رأي الكبار في العمر من رأي الرسول صلىَ الله عليه و سلم و هو التحصُن في المدينة و لكن كان للشباب و الصغار في العمر المتحمسون و المتشوقون للحرب في حَمِيَّة الشباب أن يخرجوا للقاء الكفار من مكة و تهامة و كنانة خارج المدينة حتىَ إذا هُزموا ظلت المدينة و النساء و العجائز و الأطفال و المنازل بدون أي ضرر أو خسائر أو عار يلحق بهم كسبي النساء و أخذهم جواري أو بيعهم في سوق النخاسة و العبيد و كان هذا هو رأي الأغلبية فوافق عليه الرسول صلىَ الله عليه و سلم , و هنا انسحب زعيم المنافقين عبد الله بن أُبَيِّ و أصدقائه المنافقين و قال ـــ عصاني و أطاعهم ـــ أخذه الإستكبار و الغرور , و كان عدد المنافقين ثلاث مائة شخص فأصبح الجيش يحارب بسبعمائة مقاتل أي أن عدد المنافقين ثلث الجيش و هذا هو الأصح و لكن لو كان عدد جيش المسلمين سبعمائة مقاتل و انسحب منه ثلاث مائة مقاتل سيصبح العدد هنا أربعمائة مقاتل فقط و لكن الثلث أي سبعمائة مقاتل هو الرأي الأدق و هو أقرب للمنطق و الواقع و الصواب , و هنا السؤال , هل ـــ القتال ـــ في هذه الآية القرآنية الكريمة يدل علىَ الإرهاب و القتل و السحل و الرعب كما يحاول الغرب أن يزعم عنا هذا الزعم في أحاديثه و نشراته الإخبارية , أم كان ـــ القتال ـــ هنا يدل علىَ الدفاع عن النفس في حرب مشروعة شريفة للمسلمين , و لا ننسىَ أن المسلمون انهزموا في هذه المعركة و الحرب سجال فيها الهزيمة أحياناً و النصر أحياناً أخرىَ ...
و هنا نقف عند الأية رقم ( 7 ) في آيات القتال و الجهاد و هىَ الآية رقم ( 167 ) من سورة آل عمران .... لنبدأ في ( مسألة عن النفاق ) أملتها علينا ظروف الموضوع و أفكار البحث ثم بعدها نستأنف آيات ( القتال و الجهاد ) بدءاً من الآية رقم ( 8 ) إلىَ أن ننتهي من تحليل آيات ( القتال و الجهاد ) لنبدأ في تحليل آيات ( الجهاد ) من منظور الخطاب الديني الجديد و المعاصر
و الله تبارك و تعالىَ أعلىَ و أعلم

القاهرة \ يونيه \ ليلة الخميس 21 \ 6 \ 2018 م الساعة 56 و 1 ليلاً \ جمال الشرقاوي \ كاتب و شاعر \


جمال الشرقاوي
Admin

المساهمات : 927
تاريخ التسجيل : 19/05/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://gamalelsharqawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى